ميرزا محمد حسن الآشتياني
131
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
قيام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط الكلي في الشبهة الغير المحصورة والمتبع منه على تقدير تسليم الصدق غير الفرض قطعا فيرجع إلى حكم العقل بل الظّاهر من كلماتهم في طيّ التمسّك بدليل الانسداد التسالم على كون قضيّة الأصل وجوب الاحتياط في الوقائع المنسد فيها باب العلم مع أنها من اشتباه الكثير في الكثير بالضرورة ومن هنا تمسّكوا بعدم وجوب الاحتياط الكلّي فيها بالإجماع ولزوم الاختلال والحرج ولولا كون مقتضى القاعدة وجوب الاحتياط فيها لما احتاجوا إلى ذلك لوضوح عدم وجوب الاحتياط عندهم في الشبهة الغير المحصورة فيكفي في نفي وجوب الاحتياط الإشارة إلى الموضوع وكون الشبهة في المقام من الشبهة الغير المحصورة هذا كله على تقدير التمسّك في المسألة بالإجماع بقسميه وأمّا على تقدير التمسّك فيها بالوجه الخامس فلا إشكال أيضا في عدم اقتضائه لعدم وجوب الاحتياط بل اقتضاؤه الوجوب في الفرض بل قد يقال إن الأمر على تقدير التمسّك به أوضح منه على تقدير التمسّك بالإجماع حيث إن الوجه في عدم اعتناء العقلاء بالعلم الإجمالي في الشبهة الغير المحصورة على ما عرفت في طيّ تقرير الوجه الخامس هو ضعف احتمال الحرمة وبعده أو وهنه ومن المعلوم ضرورة أن ضعف احتمال الحرمة في كل مشتبه إنما هو من جهة كثرة الاحتمالات المعارضة له من حيث تباينها وعدم اجتماعها معه كما فيما فرض مثلا أنه حصل العلم بنجاسة واحد من ألفي إناء على سبيل الإجمال فإن احتمال نجاسة كل واحد معارض باحتمالات كثيرة عدد المشتبهات فيوجب هذه المعارضة ضعف الاحتمال الموجب لعدم الاعتناء به عند العقلاء وهذا المناط كما ترى غير متحقّق بالنسبة إلى المقام جدّا فإنا إذا فرضنا العلم بوجود خمسمائة شاة محرّمة في ألف وخمسمائة وأردنا أكل واحد من الشياه لم يكن احتمال تحريمه معارضا بألف وأربعمائة وتسع وتسعين احتمال بعدد الشياه ضرورة اجتماع تحريمه مع تحريم أربعمائة وتسع وتسعين شياه لأن المفروض العلم بحرمة خمسمائة فيكون الاحتمالات المتباينة المتعارضة في الفرض ثلاثة وأمّا غيرها من الاحتمالات وهي وإن كانت كثيرة إلا أنها لا يكون متعارضة فلا يوجب ضعف احتمال التحريم ووهنه عند العقلاء فهي كاشتباه الواحد بين الثلاثة من الحيثيّة المذكورة ومن هنا قد يقال بكون الاشتباه الكثير في الكثير من الشبهة المحصورة موضوعا حيث إن الحصر وعدمه لا بدّ أن يلاحظ بالنسبة إلى قلّة الاحتمالات المتعارضة وكثرتها لا بالنسبة إلى مطلق الاحتمالات ولو اجتمعت ضرورة كون موصوف الوصفين الشبهة بمعنى الدوران الذي لا يتحقّق إلا بتعارض الاحتمالات وتنافيها وعدم اجتماعها فتأمل ومما ذكرنا كلّه يظهر لك المراد مما أفاده في الكتاب وإن كان قوله وأما ما عدا هذه الاحتمالات إلى آخره لا يخلو عن تكلّف بظاهره إذ اشتمال سائر الاحتمالات على الحرام لا يتحقّق إلا في بعض الفروض النادرة فبالحريّ أن يعتبر بدل قوله المذكور وأمّا ما عدا هذه الاحتمالات فهي احتمالات غير متعارضة كما رأيته في بعض النسخ وكيف ما كان لا ينبغي الإشكال في حكم المسألة ولو فرض لزوم الحرج من الاحتياط الكلي في المقام في بعض الصور فلا بدّ من الحكم بعدم وجوبه كما عرفته فيما مثلثا لك في صورة انسداد باب العلم والظن الخاص بالأحكام وهذا غير إلحاق المقام على الإطلاق بالشبهة الغير المحصورة فإنّ الحرج قد يتّفق بالنسبة إلى الشبهة المحصورة أيضا فافهم [ في حكم الشبهات الحكميّة من دوران الأمر بين الحرام وغير الواجب ] ( قوله ) الأولى منها الشبهة الموضوعيّة وأما الثلاث الأخر إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) مقتضى إطلاق ما أفاده كما ترى الحكم بوجوب الاحتياط في جميع صور الشبهة الحكميّة إذا كانت من شبهة القليل في القليل كالشبهة المحصورة والحكم بعدم وجوبه إذا كانت من شبهة القليل في الكثير كالشبهة الغير المحصورة غاية ما هناك ندرة الفرض الثاني في الشبهات الحكميّة لما عرفت من إلحاق ما يوجد من الشكّ في المكلّف به في الشبهات الحكميّة على القول بانسداد باب العلم في الأحكام بالشبهة المحصورة وهذا كما ترى لا ينافي كون الحكم التخيير عندنا وعند المشهور فيما تعارض النصان من جميع صور الاشتباه في الحكم من غير فرق بين الشكّ في التكليف والمكلّف به لأنه حكم ثبت من الشارع في باب التعارض على خلاف الأصول والقواعد بناء على حجية الأخبار من باب الطريقيّة كما هو المختار عندنا والظاهر عند المشهور على ما ستقف عليه في محلّه وإلّا فمقتضى الأصل على هذا القول هو الحكم بالتوقّف تساقط المتعارضين في مورد التعارض والرجوع إلى الأصل الغير المخالف لهما والمفروض أن الأصل في المسألة هو وجوب الاحتياط فما أفاده مبنيّ على هذه الملاحظة من دون نظر إلى الدليل الخارجي الوارد من الشارع فتأمل ( ثمّ ) إن الدوران بين الحرام وغير الواجب من جهة تعارض النصّين إنما هو فيما تعارضا في تعيين الحرام بعد الفراغ عن أصل ثبوته وإلا لم يكن من الشكّ في المكلّف به ( ثمّ ) إن جعل الغناء من أمثلة الفرض إنما هو فيما تردّد بين مفهومين بينهما عموم من وجه كالصوت المشتمل على الترجيع وإن لم يكن فيها طرب أو المشتمل على الطرب وإن لم يكن فيها ترجيع كما صنعه في الكتاب فإن مادّتي الافتراق مما يعلم بحرمة إحداهما مع العلم بحرمة مادّة الاجتماع وأما إذا احتمل كون الغناء مادة الاجتماع فقط فيخرج من أمثلة الفرض ويدخل في أمثلة دوران الأمر في الحرام بين الأقل والأكثر الذي يندرج في صور الشكّ في التكليف النفسي كما ستقف على تفصيل القول فيه فلا تعلّق له بالمقام أصلا أو قيل بكونها الصوت اللهوي أي كيفيّة في الصوت من غير مدخل لمادّة مخصوصة فيها كما هو الأظهر فيعلم صدقها في جملة من الموارد ويشك في جملة من جهة عدم الإحاطة بحقيقتها فيخرج من أمثلة الفرض أيضا وأمّا الأذان الثالث الذي دلّت جملة من الروايات كرواية حفص وغيرها على حرمته في يوم الجمعة فقد قيل إن المراد منه الأذان للعصر بناء على أن المراد بالأوّل والثاني أذان صلاة الصبح والظهر أو الجمعة أو بناء على أن المراد بالأوّل أذان الظهر وبالثاني إقامتها إذ قد يسمّى الإقامة أذانا وقيل الأذان الثاني للجمعة بناء على أن المشروع من الأذان للجمعة ما كان قبل صعود الإمام المنبر للخطبة أو بعد صعوده وجلوسه على المنبر فالأذان الثالث ما